فخر الدين الرازي
71
تفسير الرازي
والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين منازلها ومراتبها ، ويقول الله أكبر ، ويشير بقوله - الله - إلى الموجود الذي خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود ، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت ، وبقوله - أكبر - أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال : إنه أكبر من هذه الأشياء . فإذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور ، وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله : * ( والله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) * . أما قوله تعالى : * ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة * ( يلحدون ) * ووافقه عاصم والكسائي في النحل . قال الفراء : * ( يلحدون ) * و * ( يلحدون ) * لغتان : يقال : لحدت لحداً وألحدت ، قال أهل اللغة : معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت : الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه . يقال : قد ألحد في الدين ولحد ، وقال أبو عمرو من أهل اللغة : الإلحاد : العدل عن الاستقامة والانحراف عنها . ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر . قال الواحدي رحمه الله : والأجود قراءة العامة لقوله تعالى : * ( ومن يرد فيه بإلحاد ) * ( الحج : 25 ) والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم : ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لأحد . المسألة الثانية : قال المحققون : الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه : الأول : إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله ، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ، ومن ذلك أنهم سموا أصناماً لهم باللات والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الإله ، والعزى من العزيز ، واشتقاق مناة من المنان . وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني : أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه - أباً - للمسيح . وقول جمهور النصارى : أب ، وابن ، وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله سبحانه ويسمونه به ، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيهاً مستحقاً للذم ، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا : وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله ، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام ، ثم لا يجوز أن يقال : يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه الله عن مثل هذه الأذكار ، وأن يقال : يا خالق الأرض والسماوات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث : أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه ، فإنه ربما كان مسماه أمراً غير لائق بجلال